عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

763

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وكان داود الطائي يبكي ويقول : أخاف أن يطول عمري . وسبب هذا أن من أطاع الله أَحَبّ لقاءه ؛ كما قال الصديق في وصيته لعمر : إن أنت حفظت وصيتي لم يكن غائب أَحَبّ إليك من الموت ، ولابد لك منه وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ( 1 ) . وقوله : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ( 2 ) . ومن أراد الله به خيرًا عسَّلهُ ، فاستعمله بعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه ، إِنَّمَا الأعمال بالخواتيم . وقوله " قلَّت بواكيه " لما كان هذا المؤمن خفيف الحاذ قليل العيال ، لم يكن له عند الموت كبير أحد يبكي عليه ، خلاف من له أهل وولد وخدم وحشم وعشيرة ، فإنَّه يكثر بواكيه مع قلة غناهم عنه ، بل يزيد بكاؤهم في عذابه كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " ( 3 ) فإنهم كثيرًا ما يفعلون ما لا يجوز من النياحة واللطم ، وتحريق الثياب ، وإتلاف الأمول ، والتسخط لقضاء الله ، وذلك كله يعذب به الميت ويتألم به . ولهذا أوصى كثير من السَّلف أهلهم أن لا يبكون عليهم . لما احتضر هشام بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية بكى أهله ، فَقَالَ لهم : جاد عليكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء ، ترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل ، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر له . وقال الحسن : شر الناس لميت أهله يبكون عليه ولا يقضون دينه ، فهم يفعلون معه ما يضره ، ولا يفعلون ما ينفعه في قبره ، وكثر من يكي عَلَى

--> ( 1 ) البقرة : 94 . ( 2 ) الجمعة : 6 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1286 ) ، ومسلم ( 928 ) من حديث ابن عمر . وأخرجه البخاري ( 1290 ) ، ومسلم ( 927 ) من حديث عمر بن الخطاب .